تفسير حلم الطيران
يُعدّ الطيران في المنام من الرموز التي شغلت أهل التعبير قديماً وحديثاً، لما فيه من خروج عن المألوف في حياة الإنسان، ولما يحمله من دلالات تتراوح بين العلوّ والرفعة وبين الاغترار والمجازفة. وقد تناول هذا الرمز جملة من كبار المفسّرين، في مقدّمتهم الإمام محمد بن سيرين في "منتخب الكلام في تفسير الأحلام"، والشيخ عبد الغني النابلسي في "تعطير الأنام في تعبير المنام"، وكذلك ابن شاهين الظاهري في "الإشارات في علم العبارات"، وقد تباينت أقوالهم بحسب هيئة الطيران ومكانه ومآله، وهو ما سنحاول استعراضه في هذا المقال مع التذكير بأن التعبير اجتهاد قائم على القرائن، والعلم عند الله.
تفسير حلم الطيران عند ابن سيرين والنابلسي
ذهب الإمام محمد بن سيرين فيما نُسب إليه في "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" إلى أن الطيران في المنام قد يدلّ في أصله على السفر والانتقال من حال إلى حال، وأن من رأى أنه يطير من موضع إلى موضع فقد يُحتمل أن ينال سفراً أو يبلغ شأناً يرتفع به قدره بين الناس. كما ذُكر عنه أن الطيران بين السماء والأرض قد يشير إلى علوّ الهمّة وطلب الشأن الرفيع، وأن من طار حتى توارى في السحاب فقد ينال سلطاناً أو يصيب من الدنيا حظاً وافراً، بحسب حال الرائي وصلاحه.
أما الشيخ عبد الغني النابلسي في "تعطير الأنام في تعبير المنام" فقد فصّل القول في هذا الرمز، فأشار إلى أن الطيران بجناحين قد يكون أحمد عاقبةً من الطيران بغير جناح، لأن الجناح في تأويله قوّة وعُدّة ومال يستعين به صاحبه. ونقل أن الطيران المستقيم في الهواء على وجه معتدل قد يدلّ على بلوغ المراد، في حين أن الطيران المضطرب أو الذي يميل بصاحبه إلى أسفل قد يحمل معنى الخوف والقلق وانقطاع الأسباب.
وأمّا ابن شاهين الظاهري فقد ذُكر عنه أن الطيران في المنام إذا كان فيه ارتفاع عن وجه الأرض من غير غلوّ فهو خير ورفعة، وأمّا إذا جاوز حدّه ودخل الرائي في عنان السماء حتى غاب عن الأنظار، فقد يحتمل تأويلاً آخر يميل إلى التحذير، إذ ربما أشار إلى دنوّ الأجل أو إلى المغامرة بما لا تُحمد عقباه. وعلى كلّ حال، فإن المعبّرين متفقون على أن قرائن الحلم وحال الرائي هي المعوّل عليه في توجيه التأويل.
تفسير حلم الطيران للعزباء
ذهب بعض المعبّرين إلى أن رؤية العزباء أنها تطير في المنام قد تدلّ على تطلّعها إلى تغيير في حياتها، سواء أكان ذلك في الدراسة أم العمل أم في أمر الزواج. وإذا رأت أنها تطير بخفّة ودون خوف، فقد يُحتمل أن ذلك إشارة إلى تيسّر أمرٍ كانت تنتظره، أو إلى انفراج همّ كان يثقل عليها. وقد قيل إن طيرانها إلى مكان مرتفع نظيف قد يحمل معنى علوّ المنزلة أو الارتباط بمن هو أهل لها.
أما إذا رأت أنها تطير ثم تسقط، أو أنها تطير في ظلام أو بين جدران ضيّقة، فقد يُحتمل أن ذلك يعكس قلقاً داخلياً أو ترددّاً في قرار تواجهه. وقد أشار النابلسي إلى أن الطيران في الأماكن المجهولة قد يدلّ على غموض في طريق صاحب الرؤيا، وعلى حاجته إلى التأنّي قبل الإقدام على ما عزم عليه، والله أعلم.
تفسير حلم الطيران للمتزوجة
قد يدلّ طيران المتزوجة في المنام، فيما ذهب إليه بعض المعبّرين، على تخفّفها من همومٍ بيتية أو على شعور بالاتساع بعد ضيق. فإذا رأت أنها تطير مع زوجها جنباً إلى جنب، فقد يُحتمل أن ذلك يشير إلى انسجامٍ بينهما، أو إلى مشروع مشترك يجمعهما ويرفع شأنهما. وكذلك إن رأت أنها تطير فوق بيتها ثم تعود إليه آمنة، فقد قيل إن ذلك من علامات الاستقرار وبقاء الألفة.
غير أن طيرانها وحدها بعيداً عن البيت أو عبور البحار والمفاوز قد يحمل تأويلاً مغايراً عند بعض أهل التعبير، إذ ربما أشار إلى سفرٍ يقع، أو إلى رغبة في الاستقلال بأمرها. وذُكر أن طيرانها على نحو مضطرب أو سقوطها أثناء الطيران قد يدلّ على خلاف عابر أو على هاجس تحمله في نفسها، ويُستأنس في ذلك بحال الرائية وظرفها.
تفسير حلم الطيران للرجل
أمّا الرجل إذا رأى أنه يطير في المنام، فقد ذُكر عن ابن سيرين أن ذلك قد يدلّ على سفرٍ في طلب رزق أو على ارتقاء في منصبه ومكانته بين أقرانه. وإن كان الرائي تاجراً، فربما أشار طيرانه إلى توسّع في تجارته، وإن كان طالب علم فقد يُحتمل أن يبلغ في علمه شأواً يُذكر به. والطيران المعتدل المستوي من غير غلوّ هو الأقرب إلى المحامد في كلام المعبّرين.
وأمّا إذا رأى الرجل أنه يطير حتى يتجاوز السحاب أو يبلغ مكاناً لا يُعرف، أو رأى أنه يطير ثم يعجز عن النزول، فقد قيل إن في ذلك تنبيهاً إلى مجاوزة الحدّ في طموح أو سعي. وذهب النابلسي إلى أن من طار ولم يرجع إلى الأرض فقد يُخشى عليه من أمرٍ يستحقّ التحرّز منه، وقد يكون ذلك إشارة إلى الانشغال عن الواجبات بما لا طائل تحته، والله أعلم.
التفصيل بحسب الصفات والسلوك في الحلم
الطيران بأجنحة وبدونها: ذُكر عن النابلسي أن الطيران بجناحين قد يكون أحمد من الطيران دونهما، لأن الجناح في تأويله قوّة وسند ومعونة. أما من طار بغير جناح فقد قيل إن أمره موكول إلى المخاطرة، وربما دلّ على إقدامٍ بغير عُدّة.
لون الطيران ومحيطه: إذا كان الطيران في سماء صافية مشرقة، فقد يُحتمل أن ذلك يحمل بشرى انفراج وتيسير. وإن كان في سماء مظلمة أو يتخلّلها رعد وغيوم سوداء، فقد أشار بعض المعبّرين إلى أن ذلك من رموز الكدر أو الابتلاء العابر.
الهجوم والهروب في أثناء الطيران: من رأى أنه يطير هرباً من شيء يخيفه، فقد قيل إن ذلك يُحتمل أن يدلّ على نجاةٍ من أمر يكرهه، أو على تحرّر من ضائقة كان فيها. أما من رأى أنه يطير لمهاجمة أحد، فقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك قد يعكس خصومة قائمة أو شعوراً بالحاجة إلى إثبات الذات.
ارتفاع الطيران وانخفاضه: الطيران المنخفض القريب من الأرض قد يدلّ على سعي محدود في حدود ما يُطيقه الرائي، وقد يكون أسلم عاقبة من الإفراط في الارتفاع. أما الطيران العالي جداً، فقد ذُكر أنه يحمل وجهين: الرفعة لمن كان أهلاً، والغرور لمن جاوز قدره.
تفسير حلم الطيران بدون جناح
أشار النابلسي فيما نُسب إليه إلى أن الطيران بغير جناح قد يحمل دلالة المغامرة والإقدام على أمرٍ بغير أهبة كافية. ومن رأى أنه يطير في الهواء دون أن يكون له جناح يسنده، فقد يُحتمل أن ذلك يدلّ على تطلّعات يسعى صاحبها إلى تحقيقها بأسباب ضعيفة، وقد يصيب وقد يُخفق بحسب حاله وصلاح نيّته.
وذهب بعض المعبّرين إلى أن الطيران بلا جناح إن كان مستقرّاً غير مضطرب، فقد يكون فأله أحسن مما لو كان متخبّطاً، إذ ربما دلّ على ثقة بالنفس وقدرة على تجاوز العقبات بالعزم وحده. أما إن انتهى الطيران بالسقوط، فقد قيل إن في ذلك تنبيهاً إلى مراجعة الخطوات وعدم التسرّع في القرارات.
تفسير حلم الطيران في السماء
ذُكر عن ابن سيرين أن الطيران في السماء قد يدلّ على بلوغ الرائي مرتبة عالية أو نيله شرفاً يُذكر به، خاصة إذا كان طيرانه على وجه معتدل غير ممعن في الارتفاع. وقد قيل إن من طار في السماء ورأى نفسه يستمتع بما يرى من سعةٍ ونور، فربما كان ذلك إشارة إلى راحة بال وانشراح صدر.
غير أن الإمعان في الصعود حتى الغياب في عنان السماء قد ذهب فيه بعض المعبّرين، ومنهم ابن شاهين الظاهري، إلى أنه يحتمل تأويلاً يستوجب التحرّز، خاصة إذا لم يرجع الرائي إلى الأرض في رؤياه. ومدار الأمر على حال الرائي في يقظته، فإن كان من أهل الصلاح حُمل على المعنى الحسن، وإن كان مفرّطاً في أمره حُمل على وجه التذكير، والله أعلم.
تفسير حلم الطيران والسقوط
من الرؤى التي يكثر السؤال عنها أن يرى الرائي نفسه يطير ثم يسقط فجأة. وقد قيل في هذا إن السقوط بعد الطيران قد يدلّ على انقطاع سعي كان الرائي يأمل في إتمامه، أو على تراجع في أمر كان يظنّه قد استتبّ له. وقد أشار النابلسي إلى أن السقوط من علوّ شاهق قد يكون أشدّ في الدلالة من السقوط من ارتفاع يسير.
ومع ذلك، فقد ذهب بعض أهل التعبير إلى أن السقوط الذي ينتهي بسلامة الرائي ووقوفه على قدميه دون أذى، قد يحمل معنى التنبيه لا الوعيد، وأنه دعوة إلى مراجعة المسار وتصحيحه قبل فوات الأوان. أما من رأى أنه سقط فأصابه أذى، فيُستحبّ له أن يأخذ بأسباب الحذر في يقظته دون أن يُلقي بالاً للوساوس، فإن الرؤيا اجتهاد لا قطع فيه.
والعلم عند الله وحده.