كيف نفسر الأحلام
علم تفسير الأحلام من العلوم التي شرفها الله تعالى بذكرها في كتابه العزيز، وبينها النبي ﷺ في سنّته المطهّرة، فكان يعبرها لأصحابه ويُعلّمهم أصولها، حتى تناولها العلماء بأقلامهم فألّفوا فيها وصنّفوا، وما زال هذا الموضوع يثير اهتمام المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا. وفي هذا المقال نستعرض المناهج العلمية لتفسير الأحلام عند أئمة هذا الفن، والشروط الواجب توفرها في المعبّر، والخطوات العملية التي يعتمدها، مع التفريق بين التفسير الديني والتفسير النفسي الحديث، والحذر من الأخطاء الشائعة التي قد يقع فيها المبتدئ أو غير المتخصص.
المنهج العلمي لتفسير الأحلام عند ابن سيرين
يُعدّ الإمام محمد بن سيرين (ت: ١١٠هـ) من أشهر من تُوفّق في هذا العلم، وإن كان ما نُسب إليه في "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" محلّ نظرٍ بين المحقّقين في نسبته إليه تحديداً، إلا أن المنهج الذي يُنسب إليه ظلّ مرجعاً يُحتذى. ويقتضي هذا المنهج أولاً معرفة حال الرائي، فالرؤيا الواحدة تختلف باختلاف حال من يراها؛ فالثوب الأبيض قد يدلّ على التقوى لمن هو صالح، وقد يحتمل خلاف ذلك لمن حاله غير مستقيم، وهذا ما يُسمّيه العلماء "بالحمل على ما يقتضيه الحال".
ثمّ إن منهج ابن سيرين يعتمد الاستقراء اللغوي أساساً، فالرموز تُفسَّر بمدلولاتها في الاستعمال العربيّ أولاً، ثمّ بالاستعارات المشهورة، ثمّ بالقرائن التي تصاحب الرؤيا. وقد يُحتمل أن يُضاف إلى ذلك الحدس العلمي المبني على الخبرة الطويلة، لا التخمين المجرد. ومن أشهر ما يُروى عنه أنه قال لرجل رأى أنه يقرأ سورة البقرة: "إنك تسعى في أمرٍ عظيم"، فإنّ البقرة سمّيت بذلك لعظمها، وهذا من باب حمل الرمز على أصل تسميته اللغوي.
ومن ثمار هذا المنهج أنه يُبقي التفسير في دائرة الاحتمال، فلا يجزم المعبّر إلا بنادرٍ، ويترك المجال للتأويلات المتعددة بحسب القرائن، وهذا يتسق مع التحفّظ العلمي الذي يُميّز علماء المسلمين.
المنهج عند الإمام النابلسي وابن شاهين الظاهري
تطوّر علم التعبير بعد ابن سيرين تطوّراً ملحوظاً، وبرز فيه إمامان لهما منهجان متميّزان يستحقّان الدراسة.
أمّا الشيخ عبد الغني النابلسي (ت: ١١٤٣هـ)، صاحب "تعطير الأنام في تعبير المنام"، فقد اتّسم منهجه بالشمولية والتفصيل، حتى صنّف الرموز تبعاً للحروف الهجائية، وجمع في كتابه ما وقع له من التأويلات مع زياداتٍ من كتب السابقين. ويُميّز منهج النابلسي الاهتمام بالسياق الرمزيّ الكليّ للرؤيا، لا بالرمز المعزول؛ فالرؤيا كالجملة العربية، يتغيّر معنى جزئها بتغيّر سياقها. كما أنه يُولي اهتماماً بالغاً بالحالات النفسية والاجتماعية للرائي، فيجمع بين المعرفة الشرعية والفطنة الاجتماعية.
وأمّا الإمام أبو العباس أحمد بن شاهين الظاهري (ت: ٣٣٤هـ)، صاحب "الإشارات في علم العبارات"، فمنهجه أقرب إلى التبويب الموضوعيّ، يصنّف فيه الرموز بحسب أجناسها: رموز الأنبياء، رموز الصالحين، رموز الملوك والسلاطين، رموز الحيوانات، رموز الأزمنة والأمكنة، وهكذا. ويُميّز ابن شاهين أنه يُقدّم القرائن التاريخية والوقائع المشهورة في تأويله، فيستشهد بما وقع للسلف من وقائع، فيكون تفسيره مربوطاً بالوقائع المعهودة لا بالمجرد النظري.
وقد يُحتمل أن يُقال إن النابلسي يميل إلى التوسّع في التأويلات، بينما يتّسم ابن شاهين بالاختصار والإشارة، ولكلٍّ منهما قارئه الذي يناسبه.
شروط من يقوم بتفسير الأحلام
لم يكن علماء المسلمين يتهاونون فيمن يتصدّى لهذا العلم، فقد اشترطوا في المعبّر صفاتٍ لا يستغنى عنها. وأوّل هذه الشروط العلم الشرعيّ الصحيح، فلا يُفسّر إلا من يعرف أحكام القرآن والسنة، لأن كثيراً من الرموز تعود إلى أصلٍ شرعي، كالصلوات والزكوات والحجّ والجهاد، فمن جهل هذه الأصول ضلّ تأويله.
ومن الشروط الفصاحة والمعرفة اللغوية العميقة، فالتعبير فنّ لغويّ في أساسه، والمعبّر يحتاج إلى فهم دقيق للاستعارات والكنايات والتشبيهات التي تتضمّنها الرؤيا. وثالثها الخلق والورع، فالمعبّر يتعرّض لأسرار الناس، فيجب أن يكون أميناً على ما يُفصّح به الرائي، وأن يتقي الله فيما يقول، فلا يكذب ولا يُخادع ولا يستغلّ حاجة السائل.
ورابعها الخبرة الطويلة بالرؤى وتأويلاتها، فهذا العلم كسائر الفنون يحتاج إلى ممارسة وتتبّع للوقائع، حتى يتّسع أفق المعبّر ويُحكم حدسه. وقد يُضاف إلى ذلك الفطنة الاجتماعية وفهم أحوال الناس، فالرؤيا تتنزّل على حسب ما يعيشه الرائي من هموم وآمال. وينقسم العلماء في شرط الوراثة والنسب، فمنهم من يُعطيها وزناً ومنهم من يرى أنها ليست بشرطٍ أصيل.
الخطوات العملية لتفسير حلم: كيف يبدأ المعبّر ويختم
يتّبع المعبّر المتمرّس خطواتً منهجيةً يبدأ بها ويختم، لا يتخلّف عنها إلاّ لعذر. فأوّلها الاستماع الجيّد للرؤيا على وجهها، من غير مقاطعةٍ ولا توجيهٍ مسبق، فيدع الرائي يُتمّ سرد ما رأى بأسلوبه، لأنّ ترتيب الأحداث في الرؤيا واختيار الرائي لما يذكره منها قد يكون قرينةً في حدّ ذاته.
ثمّ يتبيّن حال الرائي، سائلاً إيّاه عن اسمه ونسبه ومهنته وحاله الاجتماعية والدينية، بقدر ما يحتاج إليه، لا تجسّساً ولا فضولاً، بل لأنّ هذه القرائن تُحدّد مجال التأويل. ثالثاً يُحلّل الرموز على الترتيب، مبتدئاً بالرموز الرئيسة ثمّ الفرعية، مستقرئاً مدلولاتها اللغوية والشرعية والاجتماعية.
ورابعاً يُركّب المعنى الكليّ للرؤيا، فلا يكتفي بتفسير كلّ رمزٍ على حدة، بل ينظر كيف تتآزر هذه الرموز في بناءٍ دلاليّ واحد. وأخيراً يُلقّن الرائي التأويل بأسلوبٍ يناسبه، لا بإبهامٍ يُحيّره ولا بتجريحٍ يُؤلمه، ويُذكّره بأنّ الرؤيا الصالحة من الله والتأويل ظنٌّ لا يقين، وأنّ العلم عند الله وحده. وقد يُحتمل أن يستشير المعبّر غيره إذا عجز عن تأويلٍ، فالتضرّع إلى الله والرجوع إلى أهل الخبرة من شيم العلماء.
الفرق بين التفسير الديني والتفسير النفسي الحديث
ينبغي التفريق بين علمَين يختلطان على كثيرٍ من الناس: التفسير الدينيّ المبني على النصّ الشرعي، والتفسير النفسيّ الحديث المبني على النظريات العلمية الغربية. أما الأوّل فيُعنى بالرؤيا الصادقة التي لها مدلولٌ يتجاوز نفس الرائي، قد يكون بشارةً أو تحذيراً أو إخباراً عن غيبٍ يُطلع الله عليه من يشاء، وهو ما ورد في القرآن الكريم كقصة يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [سورة يوسف، آية ٤].
وأما الثاني، فيُعنى بما يُسمّيه العلماء "حديث النفس"، وهو ما يتولّد عن أفكار وهموم مكبوتة، أو بما يدرسه علماء النفس من رموزٍ تعبّر عن اللاوعي، كما في مدرسة فرويد ويونغ ومن تبعهما. وهذا الفنّ له قواعده وأساليبه، لكنّه لا يدّعي الكشف عن الغيب، بل يتّجه إلى فهم النفس البشرية وتخفيف أعبائها.
ويجب ألاّ يُخلَط بين الاثنين، فالذي يأتي إلى المعبّر الشرعيّ طالباً تفسيراً دينياً لا يناسبه ما يقدّمه المعالج النفسيّ، والعكس بالعكس. وقد يُحتمل أن تتقاطع الرؤيا الصادقة مع ما يُفيد التحليل النفسيّ، لكنّ هذا التقاطع لا يُبرّر الخلط بين المنهجين.
أخطاء شائعة في تفسير الأحلام يجب الحذر منها
من الأخطاء الجسيمة التي انتشرت في عصرنا الجزم المطلق بتأويلٍ واحدٍ دون احتمالٍ آخر، فيقول المعبّر "سوف يحدث كذا" لا "قد يدلّ على كذا"، وهذا مخالفٌ لمنهج السلف ويُوهي مصداقية العلم. ومنها تأويل الرؤيا بمعزلٍ عن حال الرائي، فيُفسّر للغنيّ ما يُناسب الفقير، وللعازب ما يُناسب المتزوّج، فَيَضِلّ التأويل ويَضلّ السائل.
ومنها الاعتماد على الكتب المُصنّفة حديثاً التي لا أصالة لها، والتي تُفسّر كلّ رمزٍ برمزٍ ثابتٍ لا يتغيّر، كأنّ العلمَ وضعيةٌ آليةٌ لا فنٌّ يتطلّب فطنة. ومنها الاستعجال في التأويل قبل استيفاء القرائن، فيُلقى على الرائي أول ما يخطر ببال المعبّر. ومنها التلاعب بالرموز لاسترضاء السائل أو تخويفه، فيُقال للمحبوب ما يُسرّه زوراً، أو للمبغوض ما يُذلّه كذباً.
وقد يُحتمل أن يُضاف إلى ذلك الادّعاء بالعلم من غير تعلّمٍ ولا مشيخةٍ ولا إجازة، فصار كثيرٌ من الناس يُفسّرون بمجرد قراءةٍ سطحيةٍ أو حدسٍ فطريٍّ، وهذا من التعدّي على حرمات العلم. والأصل أنّ هذا الفنّ كسائر الفنون الشرعية يُؤخذ عن أهله الثقات.
متى نستشير عالماً ومتى نستشير معالجاً نفسياً
يحتار كثيرٌ من الناس في تحديد الوجهة الصحيحة عندما يُعانون من أحلامٍ تُقلقهم، فيخلطون بين الحاجة إلى العالم الشرعيّ والحاجة إلى المعالج النفسيّ. والأصل أن نستشير العالم إذا كانت الرؤيا تتّصف بصفات الرؤيا الصادقة: وضوحها، وسلامتها عن الفوضى، وتأثيرها في النفس، وعدم ارتباطها بهمومٍ يوميةٍ ظاهرة، خاصةً إذا تكرّرت أو كانت لها طابعٌ يُشعر بأنّها رسالةٌ تحتاج إلى تأويل.
وأمّا المعالج النفسيّ فيُستشار إذا كانت الأحلام مُتصلةً بقلقٍ واضحٍ، أو صراعٍ نفسيّ معروفٍ، أو إذا كانت مُتكرّرة بنمطٍ يُعيق الراحة والعمل، أو إذا كانت مصحوبةً بأعراضٍ جسديةٍ أو سلوكيةٍ تدلّ على اضطراب. وقد يُحتمل أن يحتاج المرء في بعض الحالات إلى الاثنين معاً، فلا تنافي بين الاستشارتين إذا وُضع كلّ في موضعه.
والعالم الشرعيّ قد يُحيل السائل على المعالج النفسيّ إذا رأى أنّ الأمر ليس من باب الرؤيا الصادقة، كما أنّ المعالج النفسيّ المسلم قد يُحيل مريضه على العالم إذا لمس في حديثه ما يتجاوز الإطار النفسيّ. والتعاون بينهما في حدود التخصّص خيرٌ من التداخل العشوائيّ أو التناحر الضار.
والله تعالى أعلم بالغيب