أنواع الأحلام في الإسلام
يعدّ علم تفسير الأحلام من العلوم الإسلامية العريقة التي لها أصولها الثابتة في الكتاب والسنة، وقد تناولها العلماء بإسهاب منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا. ويستند هذا العلم في تصنيفاته إلى نصوص شرعية صريحة، ثم إلى المباحث اللغوية والنفسية التي أضافها المتخصصون عبر القرون. ومن أبرز من صنّف في هذا المجال الإمام محمد بن سيرين فيما نُسب إليه من "منتخب الكلام في تفسير الأحلام"، والإمام عبد الغني النابلسي في "تعطير الأنام في تعبير المنام"، والإمام أبو إسحاق إبراهيم بن شاهين الظاهري في "الإشارات في علم العبارات"، وغيرهم من أئمة هذا الفن الذين جمعوا بين الضبط الشرعي والملكة الاستنباطية.
الرؤيا الصادقة من الله وعلاماتها
الرؤيا الصادقة هي البشرى الإلهية التي يُلقيها الله تعالى في روع العبد الصالح، وهي في أصل اللغة من "الرؤية" بمعنى الإبصار اليقيني، وقد استُخدم المصطلح شرعاً للدلالة على ما يُرى في النوم من أخبار غيبية أو وعظ أو بشارة. وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بُشرى من الله»، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم ضرباً مستقلاً يُميّز بصفة "الصلاح" التي تشمل صلاح المحتوى وصلاح الرائي على حد سواء.
علامات الرؤيا الصادقة
تتميّز الرؤيا الصادقة بعدة علامات يُجمع عليها أئمة التعبير. منها: وضوح المشهد كأنّه يُرى باليقظة، بحيث يبقى أثرها في النفس بعد الاستيقاظ دون اضطراب أو تناقض؛ ومنها أن تكون مُحكمة الخطاب، لا تتخلخل ولا تتشظى كالأحلام العادية؛ ومنها أن تتناسب مع مقام الرائي ودينه، فلا تُخالف أصلاً من أصول الشرع. وقد ذكر الإمام النابلسي في "تعطير الأنام" أن الرؤيا الصادقة قد تأتي مجملة أو مفصلة، وقد تأتي رمزية تحتاج إلى تأويل، أو صريحة لا تحتمل إلا معنى واحداً. ويُحتمل أن تتقدّم الرؤيا الصادقة بزمن طويل على وقوعها، كما في رؤيا النبي يوسف عليه السلام التي تقدّمت بزمن، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [سورة يوسف، آية ٤٣]، فكان تأويلها يتعلق بسنوات الرخاء والشدة.
وقد يدلّ الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نَفَسُ المُسْلِمِ (أو قال: نَفَسُ المُؤْمِنِ) عِبْرَةٌ»، وقد فسّر العلماء هذا بأنه يشمل الرؤيا الصادقة التي تكون بمنزلة العبرة والموعظة. ويذهب جمهور العلماء إلى أن الرؤيا الصادقة تزداد وضوحاً مع صلاح النفس وطهارتها، وأنها تضعف أو تنقطع مع كثرة المعاصي والاغتراب عن الله تعالى.
الحلم من الشيطان وعلاماته وكيفية التعامل معه
الحلم من الشيطان هو الضرب الثاني من أصناف الأحلام الثلاثة التي ضبطها الحديث النبوي الشريف. وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري ومسلم "الرؤيا التي تُحزِن"، لأنها تترك في النفس أثر الحزن والقلق والاضطراب. والشيطان في هذا السياق يتسلط على الإنسان في معرض غفلته، فيرسم له مشاهد مُذعجة أو مُحيّجة أو مُغرية، بغية إفساد يقظته أو إضعاف عزيمته أو إثارة الشكوك في نفسه.
علامات الحلم الشيطاني وكيفية التعامل معه
تتميّز الأحلام الشيطانية باضطرابها وتناقضها، وبأنها غالباً ما تركّز على المخاوف أو الشهوات المُحرّمة أو الصور المُنكرة. وقد تتخذ صورة المُعاكسة، فيرى الإنسان نفسه يفعل ما يكرهه في اليقظة، أو يُنزّه من هو بعيد عن التقوى. ويُحتمل أن يستغل الشيطان الرموز الدينية فيحوّلها إلى معانٍ مُشوّهة، ليُوقع الرائي في الحيرة. وقد نصّ الإمام ابن شاهين الظاهري في "الإشارات في علم العبارات" على أن من علامات الحلم الشيطاني سرعة نسيانه بعد الاستيقاظ، أو تذكّره بشكل مُبعثر لا يتّصل عقلياً.
أما التعامل الشرعي مع هذا النوع، فقد ضبطته السنة النبوية بأدبٍ واضح. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي»، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلم استثناءً من حيل الشيطان. وعند رؤية ما يُكدر الخاطر، يُستحب للمسلم أن يتعوّذ بالله من شر الشيطان الرجيم، وأن يتفل عن يساره ثلاث تفلات، وألا يُحدّث بها أحداً، كما في الحديث الصحيح. وقد يدلّ قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [سورة الأعراف، آية ٢٠٠] على أن هذا الأسلوب هو السنة في التعامل مع كل ما يثيره الشيطان، بما في ذلك أحلامه.
حديث النفس وعلاماته
حديث النفس هو الضرب الثالث من الأحلام، وهو ما ينبثق من مشاغل الإنسان اليومية وهمومه وانشغالاته الذهنية، فيعيد العقل النائم صياغتها في صورة مشاهد وهمية. وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه "مما يُحدّث به المرء نفسه"، فجعله حديثاً ذاتياً لا مصدر خارجياً، لا من الله تعالى ولا من الشيطان. وهذا النوع هو الأكثر شيوعاً بين الناس، لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية وآلية عمل الذاكرة.
خصائص حديث النفس وتأثيراته
يُميّز العلماء حديث النفس بأنه يتبع نمطاً منطقياً قريباً من واقع الرائي، فإن كان مُنشغلاً بالتجارة رأى أسواقاً وحسابات، وإن كان مُقبلاً على الزواج رأى ما يتعلق به. وقد ذكر الإمام النابلسي أن هذا النوع قد يختلط بالرؤيا الصادقة فيصعب التمييز، فيحتاج إلى تأمل وتدبّر. ويُحتمل أن يتخذ حديث النفس صورة الرمز، فيرى الإنسان ما يُشير إلى همّه لا ما يُعبّر عنه صراحة. وينقسم العلماء في مدى اعتبار حديث النفس في التعبير إلى قولين: فمنهم من يرى أنه لا يُعتدّ به إطلاقاً، ومنهم من يُحتمل أن يُؤوّل إذا تضمّن رموزاً تتجاوز المشاغل المباشرة. وقد يدلّ ما ورد عن بعض السلف من أنهم كانوا يستبعدون تعبير ما يعلمون أنه من حديث النفس، على أن التمييز بين الأنواع من أهم مهارات المُعبّر.
الفرق بين الرؤيا والحلم في اصطلاح العلماء
يُلاحظ أن الاستعمال اللغوي للمصطلحين "رؤيا" و"حلم" قد اختلف في التراث الإسلامي عن الاستعمال العامي المتداول اليوم. ففي الاصطلاح العلمي عند أئمة التعبير، "الرؤيا" هي ما يُرى في النوم من صور ومعانٍ جميعها، وهي الكلّ العام. أما "الحلم" فهو في الاصطلاح القديم بمعنى النوم ذاته، أو بمعنى الرؤيا أيضاً، ثم تطوّر ليُطلق خاصة على ما يُكدّر ويُحزِن من الرؤى. وقد استقرّ الاصطلاح المعاصر على أن "الحلم" هو الكابوس أو الكوابيس، أي الرؤيا المُرعبة، بينما "الرؤيا" هي ما يحمل بشرى أو إخباراً أو موعظة.
التفريق الاصطلاحي واللغوي
ذهب جمهور العلماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل "الرؤيا" في الحديث الثلاثي للإطلاق العام، ثم فرّعها إلى صالحة ومُحزنة وحديث نفس. وقد يُحتمل أن يكون التفريق بين المصطلحين في التراث ناتجاً عن تأثير الاستعمال القرآني، حيث وردت "الرؤيا" في قصة يوسف عليه السلام بمعنى الرؤيا الصادقة التي تتطلّب تأويلاً. ويُلاحظ أن الإمام ابن سيرين فيما نُسب إليه كان يميل إلى استعمال "الرؤيا" للصادقة و"الحلم" للمُحزنة، مع الإقرار بأن الاستعمال قد يتداخل. وفي "تعطير الأنام" للنابلسي تنويعات في الاستعمال تُوضح السياق لا المصطلح وحده. والأصل أن المقصود يُعرف بالدلالة لا باللفظ، وأن المهم هو تمييز المحتوى لا التوقف عند التسمية.
الموقف الشرعي من كل نوع: ما يُروى وما لا يُروى
يختلف الحكم الشرعي باختلاف نوع الحلم، وقد ضبطته السنة تفصيلاً يُجنّب المسلم الوقوع في المحظور أو التهاون بالمشروع. فأما الرؤيا الصادحة فقد ورد الأمر بروايتها والتبشير بها، روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَفَلَّ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ»، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الرواية مشروطة بالمحبوب، والكتم مشروط بالمكروه.
الأحكام التفصيلية
أما الحلم من الشيطان، فقد اتفق العلماء على أنه لا يُروى، بل يُستعاذ بالله منه ويُتجاهل. وقد يدلّ الحديث الصحيح السابق على أن التفل والتحول والاستعاذة كفيلة بإبطال أثره. وينقسم العلماء في حديث النفس إلى قولين: فمنهم من يرى جواز روايته للاستئناس أو الاستشارة، ومنهم من يرى أنه لا فائدة في روايته لأنه لا يحمل إخباراً غيبياً. ويُحتمل أن يكون الاعتدال في هذا المقام هو الأسلم: فإن كان حديث النفس يتضمن ما يُثير الالتباس، فالأولى عدم روايته؛ وإن كان مجرد انعكاس للهموم فلا حرج في ذكره للتخفيف عن النفس. وقد شدّد بعض أهل العلم على أن إسراف الناس في رواية الأحلام وطلب تعبيرها مما يُضعف الاعتناء بالرؤى الصادقة حقاً، ويُوهن من قدرها.
علاقة الحالة النفسية والصحية بمحتوى الأحلام
لم يغفل أئمة التعبير عن العلاقة الوثيقة بين بدن الإنسان ونفسه وبين ما يراه في منامه، بل كانوا يُقدّمون "الحال" على "الدلالة" في كثير من المواضع. فالحال هي حالة الرائي النفسية والجسدية والاجتماعية، وهي التي تُحدد مدى صلاح الرؤيا للتعبير أو عدمه، وتُوجّه التأويل نحو المعنى الأقرب.
الأبعاد النفسية والصحية
يذهب جمهور العلماء إلى أن القلق المزمن قد يُنتج أحلاماً مُتكررة تُعيد سيناريو الهمّ بصورة رمزية، فيرى المُضطرب مطاردات وسقوطاً وفقداناً. وقد ذكر الإمام النابلسي أن الحمى والسعال واضطراب الهضم قد يُحدثان رؤى غريبة لا تعبير لها، لأنها ناشئة عن اختلال الجسد لا عن إلقاء روحاني. ويُحتمل أن يكون تقديم الطعام الثقيل على النوم من أسباب الكوابيس، كما كان السلف يُحذّرون من ذلك. وقد يدلّ ما ورد في بعض الآثار عن ضرورة الوضوء قبل النوم على أن الطهارة الجسدية والروحية تُهيّئ النفس للرؤيا الصالحة. وينقسم العلماء في تأثير الدواء والمسكرات على الرؤيا: فمنهم من يرى أنها تُبطل الرؤيا الصادقة، ومنهم من يرى أنها تُضعفها دون إبطال. والأصل أن العناية بالصحة النفسية والجسدية من أسباب صلاح الرؤيا، كما أن الإهمال في ذلك من أسباب اختلاط الأنواع وصعوبة التمييز بينها.
والله تعالى أعلم بالغيب.